تأصيل الهوية القانونية لماذا يُعدّ إقصاء “أصول الفقه” و”الأحوال الشخصية” رصاصة في قلب التعليم الحقوقي؟ 

تأصيل الهوية القانونية

لماذا يُعدّ إقصاء “أصول الفقه” و”الأحوال الشخصية” رصاصة في قلب التعليم الحقوقي؟ :
تواجه كليات الحقوق اليوم دعوات متجددة تُطالب بتحديث الخطط الدراسية، وهي دعوات حميدة في ظاهرها، لكنها تصبح كارثية عندما ترفع شعار “عصرنة التعليم” عبر بوابة إقصاء مساقات “أصول الفقه الإسلامي” و”الأحوال الشخصية”. إن محاولة اختزال القانون في نصوصه الوضعية الجافة، وعزل الطالب عن جذوره التشريعية، لا يمثل مجرد تعديل أكاديمي عابر، بل هو تشويه لبنية رجل القانون، وتدمير للميزة التنافسية للخريج محلياً ودولياً.

أولاً: كواليس التعديل.. حراك معزول وعلامات استفهام

إن أخطر ما يعيب هذا الحراك الأخير هو أنه جاء بمعزل تام عن أهل الاختصاص والأكاديميين في الشأن القانوني والشرعي. فقد تمت صياغة هذه التوجهات خلف الغرف المغلقة، دون إشراك أو استشارة المؤسسات المعنية والمحركة لهذا القطاع، وعلى رأسها:
  • كليات الحقوق في المملكة (التي أعلم باحتياجات طلبتها وفلسفتها التعليمية).
  • دائرة قاضي القضاة (المظلة الرسمية للقضاء الشرعي).
  • كليات الشريعة (الحاضنة الأساسية للفقه وأصوله).
  • نقابة المحامين النظاميين ونقابة المحامين الشرعيين (الممثلة لواقع سوق العمل الميداني).

هذا الإقصاء المتعمد يضع علامات استفهام كبرى حول الطريقة التي يُدّعى بها التطوير والتحديث؛ فكيف لخطط تعليمية أن تتطور بمعزل عن الجهات التي توظف وتدرب وتستقبل هؤلاء الخريجين؟ إن هذا التمترس يثبت أن الحراك يفتقر تماماً للموضوعية، ولا يستند إلى دراسات حقيقية لـ احتياجات السوق الحالية والمستقبلية.

ثانياً: أصول الفقه ليس مساقاً دينياً بل “منطق قانوني”

يروج البعض -عن جهل أو تغافل- بأن أصول الفقه مساق وعظي لا مكان له في كليات الحقوق. والحقيقة العلمية والواقعية تؤكد أن أصول الفقه هو “فلسفة القانون” و”علم المنطق التشريعي” و”اساس الصياغة القانونية والتشريعي “.
كيف يمكن لطالب حقوق أن يفسر نصاً قانونياً وهو يجهل قواعد دلالات الألفاظ (العبارة، الإشارة، النص، والاقتضاء)؟ او دون فهم العام والخاص والعام المخصوص والعام المراد به الخصوص ، او المطلق والمقيد ، او المنطوق والمفهوم واعمال قواعد الاصول في صياغة اللوائح والقرارات والعقود …
 إن المادة (3) من القانون المدني الأردني حسمت هذا الجدل بنصها صراحة: “يُرجع في فهم النص وتفسيره وتأويله ودلالته إلى قواعد أصول الفقه الإسلامي”. وحين نصت المادة (2) على أنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص، فإنها استعارت قاعدة أصولية كبرى. بناءً على ذلك، فإن حذف هذا المساق يعني تجريد القاضي والمحامي المستقبلي من أدوات التفسير والتحليل، وتحويله من “مفكر قانوني” إلى “جامع نصوص” عاجز عن استنباط الأحكام والاستدال والمنطق القانوني.

ثالثاً: ضرب “السياحة التعليمية” والسمعة الأكاديمية (محلياً ودولياً)

تميزت المدرسة القانونية الأردنية تاريخياً بالجمع الفريد بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث يتسلح الخريج بالقوانين اللاتينية والوضعية المعاصرة، متكئاً على عمق فقهي إسلامي صلب.
  • تدمير السياحة التعليمية: تُعد الأردن مقصداً جاذباً لآلاف الطلبة العرب (خاصة من دول الخليج العربي) الذين يلتحقون بكليات الحقوق الأردنية نظراً لتميز خططها الدراسية التي تدمج القانون بالشريعة وأصول الفقه، وهو ما تتطلبه الأنظمة القضائية في بلدانهم. تفريغ المناهج من هذه المواد سيقضي على هذه الميزة التنافسية، ويدفع الطلبة الوافدين للبحث عن بدائل في دول أخرى، مما يضر بالاقتصاد المعرفي والمكانة الأكاديمية للمملكة.
  • تراجع الكفاءة محلياً ودولياً: إن غياب هذه المواد يفرز خريجين يعانون من “فقر ووهن قانوني”؛ عاجزين عن سد الثغرات القانونية عند غياب النص (حيث تحيل المادة 2 من القانون المدني إلى الفقه الإسلامي). كما تضعف قدرتهم على صياغة اللوائح القانونية الرصينة، وتتحول كلياتنا إلى نسخ مشوهة في حين تحرص الجامعات العريقة الغربية والعربية على تمليك الطلبة ملكات الاستنباط ومهارات الفهم والاستداال الاصولي.

رابعاً: إقصاء الطلبة وحرمانهم من المحاماة الشرعية

من الناحية العملية والمهنية، يمثل حذف مساق “الأحوال الشخصية” وأصول الفقه ضربة قاضية للمستقبل المهني لطلبة الحقوق. إن هذا الإقصاء يؤدي مباشرة إلى حرمان الخريجين من حق مزاولة المحاماة الشرعية.
المحاكم الشرعية جزء لا يتجزأ من النظام القضائي الأردني والنظم العربية والاسلامية، وتنظر في قضايا تمس عصب المجتمع (الزواج، الطلاق، المواريث، والوصايا).  فتجهيل طالب الحقوق بهذه الأحكام يُغلق في وجهه سوقاً وظيفياً ضخماً، ويحصر حق الترافع في خريجي كليات الشريعة فقط، وهو ما يمثل تضييقاً غير مبرر على أرزاق الخريجين وفرصهم المهنية التي كفلها لهم القانون تاريخياً.
إن المشرع الأردني عندما صاغ القانون المدني، جعل من أصول الفقه والفقه الإسلامي روحاً تسري في نصوصه. والدعوة إلى حذف هذه المواد -وعبر حراك معزول عن نبض المؤسسات القانونية والشرعية والتعليمية في البلاد- هي دعوة لعزل القانون عن بيئته وثقافته ونظامه القضائي. إن تحديث التعليم الحقوقي لا يكون بقطع جذوره وإقصاء علمائه، بل بتطوير أدوات تدريس هذه المواد وتطبيقاتها العملية؛ حتى يظل خريج الحقوق قادراً على قيادة العدالة بفكر واثق، وملكة قانونية متكاملة.
الدكتور امجد علي سعادة
استاذ القضاء الشرعي والسياسة الشرعية المشارك
ماجستير في القانون الخاص(حاليا)

One Response

  1. مقال مميز يثبت ان المساقات المشار اليها سواء اصول الفقة او الاحوال الشخصية هي احد ركائز الشخصية القانونية لحملة الاجازة بالحقوق من الجامعات الاردنية و اني منذ مده استهجن عدم وجود مساق الاحوال الشخصية في الخطة الدراسية لكلية القانون في جامعة ال البيت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *